خُطْبَةُ الِالْتِزَامِ بِأَنْظِمَةِ الْمُرُورِ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ وَالْفَضْلَ الْجَزِيلَ، وَتَوَعَّدَ مَن ظَلَمَهُمْ أَوْ قَهَرَهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا . أمَّا بَعْدُ ... فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
١- عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ نِعَمًا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَآلَاءً لَا تُحَدُّ وَلَا تُسْتَقْصَى، وَإِنَّ مِمَّا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْنَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الْمَرْكَبَاتِ بِكَافَّةِ أَنْوَاعِهَا.
٢- فَقَدْ مَلَأَتِ الْبِلَادَ، وَطَوَتِ الشَّاسِعَ بَيْنَ الْبِلَادِ، وَأَرَاحَ اللهُ بِهَا الْعِبَادَ، فَقَرَّبَتِ الْبَعِيدَ، وَسَهَّلَتِ الْعَسِيرَ، وَاخْتَصَرَتِ الْأَوْقَاتَ، وَأَعَانَتْ عَلَى الطَّاعَاتِ، بِفَضْلِ اللهِ اللَّطِيفِ الْوَدُودِ.
٣- إِنَّهَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَافِرَةٌ، وَآلَاءٌ وَاضِحَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لِسَيْرِهَا طُرُقًا سَهْلَةً مُعَبَّدَةً، وَشَوَارِعَ لِلْمُرُورِ عليها مُمَهَّدَةً، نِعْمَةً مِنَ اللهِ وَفَضْلًا. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)
٤- إِنَّ النِّعَمَ تَبْقَى وَتَزِيدُ إِذَا اسْتُعْمِلَتِ الِاسْتِعْمَالَ الصَّحِيحَ، وَوُجِّهَتِ التَّوْجِيهَ السَّلِيمَ، مَعَ شُكْرٍ لِلْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ الْحَمِيدِ.
٥- فَشُكْرُ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ يَكُونُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى لَهُ، مِنْ قَضَاءِ الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْبِ الرِّزْقِ.
٦- وَإِذَا كَانَتْ صُوَرُ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ معروفة، فَإِنَّ صور جُحُودِهَا وَكُفْرِهَا كَثِيرَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ:
٧- الِاعْتِدَاءُ عَلَى الطُّرُقِ الَّتِي هِيَ مَسَالِكُ عُبُورِ هَذِهِ الْمَرْكَبَاتِ.
٨- إِنَّ عَامَّةَ أَسْبَابِ حَوَادِثِ السَّيْرِ يُمْكِنُ تَلَافِيهَا، بِعَوْنِ اللهِ، وَذَلِكَ بِالْأَخْذِ بِأَسْبَابِ السَّلَامَةِ، وَاتِّبَاعِ أَنْظِمَةِ الْمُرُورِ الْوَاضِحَةِ.
٩- مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ: تَسْلِيمُ قِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ لِمَنْ هُمْ دُونَ السِّنِّ الْمُصَرَّحِ لَهُ بِالْقِيَادَةِ، أَوْ لِمَنْ هُمْ مِنْ سُفَهَاءِ الْعُقُولِ وَغَيْرِ الْمُبَالِينَ بِالْأَنْظِمَةِ وَبِأَرْوَاحِ النَّاسِ، مِمَّنْ ظَهَرَ اسْتِهْتَارُهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَبِالْآخَرِينَ، وَبِالْأَنْظِمَةِ وَتَعْلِيمَاتِ الْمُرُورِ، وَالَّتِي اعْتُمِدَتْ بَعْدَ دِرَاسَاتٍ وَأَبْحَاثٍ أَجْرَاهَا خُبَرَاءُ وَأَهْلُ اخْتِصَاصٍ.
١٠- إِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ فِي هَذَه الحوادث تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ مَنْ يَتَسَاهَلُونَ بِالْأَنْظِمَةِ. الَّذِينَ لَا يُدْرِكُونَ قِيمَةَ النِّعَمِ، وَلَا يُحْسِنُونَ اسْتِغْلَالَهَا، وَلَا يَتَصَوَّرُونَ الضَّرَرَ النَّاتِجَ مِنْ سُوءِ اسْتِعْمَالِهَا.
١١- وَلَوْ تَأَمَّلْنَا مَقَاصِدَ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ لَوَجَدْنَا مِنْ أَهَمِّ مَقَاصِدِهَا حِفْظَ الْأَبْدَانِ وَالْأَرْوَاحِ.
١٢- عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ حَافَظَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ الضَّرُورِيَّةِ؛ وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمَالُ، وَوَضَعَ الْحُدُودَ وَالْقُيُودَ الَّتِي تُحَافِظُ عَلَى بَقَاءِ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ؛ وَلِأَجْلِ الْحِفَاظِ عَلَى النَّفْسِ حُرِّمَ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأُمِرَ بِالْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٩].
١٣- قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الزِّنَى، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. فَدَمُ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، وَمَالُهُ حَرَامٌ، وَعِرْضُهُ حَرَامٌ.
١٤- وَقَدْ صَانَ الْإِسْلَامُ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ وَالْفُرُوجَ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِحْلَالُهَا إِلَّا فِيمَا أَحَلَّهُ اللهُ فِيهِ وَأَبَاحَهُ، وَقَتْلُ الانسان بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَالْقَاتِلُ مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ، وَقَدْ نَهَى اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
١٥- فَيَا عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا أَنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ وَالْمُعَاهَدِ مَعْصُومٌ، وَمَالَهُ مَعْصُومٌ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَةُ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ إِلَّا بِحَقِّهَا.
١٦ - فَمَا وُضِعَتْ أَنْظِمَةُ الْمُرُورِ إِلَّا لِضَبْطِ السَّيْرِ وَسَلَامَةِ النَّاسِ، وَأَكْثَرُ الْحَوَادِثِ بِسَبَبِ تَجَاهُلِ تِلْكَ الْأَنْظِمَةِ.
١٧- وَأَسْبَابُ السَّلَامَةِ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ طَلَبَ أَسْبَابَهَا وَجَدَهَا، وَالْعَاقِلُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ.
١٨- وَقَدْ وَضَعَ وَلِيُّ الْأَمْرِ الْأَنْظِمَةَ الْمُرُورِيَّةَ لِتَنْظِيمِ السَّيْرِ وَحِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ.
١٩- فَإِذَا الْتَزَمَ الْإِنْسَانُ بِهَذِهِ الْأَنْظِمَةِ، فَإِنَّهُ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً عَامَّةً، وَيَحْفَظُ الْأَرْوَاحَ.
٢٠- وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ الشَّرْعِيِّ، تَأْتِي الْأَنْظِمَةُ الْمُرُورِيَّةُ الَّتِي وَضَعَتْهَا الْجِهَاتُ الْمُخْتَصَّةُ تَنْظِيمًا لِحَرَكَةِ السَّيْرِ، وَحِمَايَةً لِلْأَرْوَاحِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، وَإِنَّ التَّقَيُّدَ بِهَذِهِ الْأَنْظِمَةِ هُوَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ، يُثَابُ فَاعِلُهُ، وَيَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الْعِقَابَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
٢١- عِبَادَ اللهِ، اعْلَمُوا أَنَّ مُخَالَفَةَ أَنْظِمَةِ الْمُرُورِ فِيهَا ظُلْمٌ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى حُقُوقِ الْغَيْرِ، وَقَدْ نَهَى اللهُ عَنِ الِاعْتِدَاءِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
٢٢- قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
٢٣- عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الِالْتِزَامَ بِقَوَاعِدِ الْمُرُورِ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَوْفٍ مِنَ الْعُقُوبَةِ أَوِ الْغَرَامَةِ، بَلْ هُوَ سُلُوكٌ حَضَارِيٌّ يَدُلُّ عَلَى وَعْيِ الْإِنْسَانِ وَرُقِيِّ الْمُجْتَمَعِ، وَقَدْ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ حِفْظُ النُّفُوسِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ، وَرِعَايَةُ حُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَالْتِزَامُ أَنْظِمَةِ الْمُرُورِ يَجْمَعُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا.
٢٤- وَلِنَتَذَكَّر جَمِيعاً أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ وَالْجِهَاتِ التَّنْظِيمِيَّةَ مَا وَضَعَتْ هَذِهِ الْأَنْظُمَةَ إِلَّا لِسَلَامَتِنَا وَرَاحَتِنَا، فَطَاعَتُهَا وَاجِبَةٌ، وَتُعَدُّ مُخَالَفَاتُهَا إِثْماً لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْصِيَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ تَنْظِيمَاتٍ تُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ ، وَتُسْهِمُ فِي حِفْظِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ عَظِيمٌ يَتَعَدَّى إِلَى الْأَبْرِيَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، قَالَ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾
٢٥- وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [متفق عليه]
٢٦- وُوُلَاةُ أَمْرِنَا امرونا لِأَجْلِ تَحْقِيقِ السَّلَامَةِ لِلْجَمِيعِ، فَكَمْ مِنَ الْبَاكِينَ عَلَى آبَائِهِمْ بِسَبَبِ الْحَوَادِثِ، وَكَمْ مِنَ النَّائِحَاتِ عَلَى أَبْنَائِهِنَّ، وَكَمْ مِنْ مَدَامِعَ سُكِبَتْ، وَقُلُوبٍ تَقَطَّعَتْ، وَأَفْئِدَةٍ تَمَزَّقَتْ، بِسَبَبِ نَزْوَةٍ هَوْجَاءَ، أَوْ سُرْعَةٍ رَعْنَاءَ.
٢٧- وَالسَّائِقُ الْوَاعِي هُوَ الَّذِي: يَحْتَرِمُ الْإِشَارَاتِ الْمُرُورِيَّةَ، وَيَلْتَزِمُ بِالسُّرْعَةِ الْمُحَدَّدَةِ، وَيُفْسِحُ الطَّرِيقَ لِلْآخَرِينَ، وَيُعْطِي الْأَوْلَوِيَّةَ لِلْمُشَاةِ، وَيَقُودُ بِرُوحِ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
٢٨- فَهَذَا السُّلُوكُ يَعْكِسُ أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ، وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ.
فاللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ آجَالَنَا. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ.
************************
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: خُطْبَةُ الِالْتِزَامِ بِأَنْظِمَةِ الْمُرُورِ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً. أمَّا بَعْدُ ...... فَاِتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاِسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
٢٩- عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ فِي السَّلَامَةِ الْمُرُورِيَّةِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ.
٣٠- فَالسَّائِقُ مَسْؤُولٌ، وَالْمُشَاةُ مَسْؤُولُونَ، وَالْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ مَسْؤُولُونَ عَنْ تَوْعِيَةِ أَبْنَائِهِمْ، وَالْمُؤَسَّسَاتُ التَّعْلِيمِيَّةُ وَالْإِعْلَامِيَّةُ مَسْؤُولَةٌ عَنْ نَشْرِ ثَقَافَةِ السَّلَامَةِ الْمُرُورِيَّةِ، وَالتَّعْرِيفِ بِأَنْظِمَةِ الْمُرُورِ وَتَعْلِيمَاتِهِ، وَالتَّذْكِيرِ بِهَا بَيْنَ فِينَهٍ وَآخَرَ، حَتَّى تَسْتَقِرَّ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَيَعْتَادُوا الِالْتِزَامَ بِهَا وَالْعَمَلَ بِمَقْتَضَاهَا.
٣١- فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَعْمَلَ مِنْ أَجْلِ الْقَضَاءِ عَلَى أَسْبَابِ الْحَوَادِثِ، وَالْحَدِّ مِنْ آثَارِهَا، وَحِمَايَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ.
٣٢- عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ وَاجِبِ الْآبَاءِ أَنْ يُرَبُّوا أَبْنَاءَهُمْ عَلَى احْتِرَامِ النِّظَامِ وَالِالْتِزَامِ بِالْقَوَانِينِ، وَمَتَى وَقَعَتْ مُخَالَفَةٌ مِنْ أَحَدِ أَبْنَائِهِمْ أَوْ سَائِقِهِمْ، فَلَا يَتَسَاهَلُوا مَعَهُ، بَلْ يُنَاصِحُوهُ وَيُعَاتِبُوهُ إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ، وَيُلْزِمُوهُ بِدَفْعِ الْغَرَامَةِ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا وَجَدَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ الْغَرَامَاتِ اسْتَهَانَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِمُخَالَفَةِ الْأَنْظِمَةِ.
٣٣- وَأَنْ يُعَلِّمُوهُمْ أَنَّ الْقِيَادَةَ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، كَمَا أَنَّهَا ذَوْقٌ وَأَخْلَاقٌ.
٣٤- فَالسَّيَّارَةُ قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةَ نَفْعٍ وَخِدْمَةٍ، لَكِنَّهَا قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةِ قتل واضاعة مال ووقت إِذَا اسْتُخْدِمَتْ بِتَهَوُّرٍ.
٣٥- وَاعْلَمُوا، إِنَّ الشُّعُوبَ وَحَضَارَتَهَا تُقَاسُ بِحِفَاظِهَا عَلَى مَوَارِدِهَا الْبَشَرِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ، وَاحْتِرَامِهَا لِلْأَنْظِمَةِ وَالْقَوَانِينِ، نَحْنُ أَهْلُ دِينٍ قَدْ كَمَّلَهُ رَبُّنَا، وَأَهْلُ اتِّبَاعٍ لِرِسَالَةِ مَنْ خَتَمَ اللَّهُ بِهِ الرِّسَالَاتِ،
٣٦- وَبِلَادُنَا قِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ وَمَنْبَعُ الرِّسَالَةِ، فَكَانَ لِزَاماً يَكُونُ الْحِرْصُ وَالِانْضِبَاطُ بَيْنَنَا قَبْلَ غَيْرِنَا، وَأَنْ نَكُونَ قُدْوَةً يَحْتَذِي بِنَا الْآخَرُونَ مِنْ شُعُوبِ الْعَالَمِ؛ فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لَنَا وَأَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَأَمْنَنَا وَأَنْ يَقِيَنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا وَالشَّيْطَانِ .
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍّ وَهُدًى، وَعَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَأَيِّدْهُمَا، وَاجْعَلْ عَلَى أَيْدِيهِمَا الخَيْرَ الكَثِيرَ لِلْبِلَادِ وَالعِبَادِ.
اللَّهُمَّ كن لبِلَادَنَا بِلَادُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْ اللهم، فَاحْفَظْهَا بِحِفْظِكَ، وَأَحِطْهَا بِعِنَايَتِكَ، وَاكْلَأْهَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا، وَعِزَّهَا وَاسْتِقْرَارَهَا، وَاجْعَلْهَا دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَلَامٍ وَإِسْلَامٍ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ، ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْهَا بِلَادَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَهُدًى، وَدَارَ عِزٍّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا نِعْمَتَكَ وَفَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا اسْتَوْدَعْنَاكَ بِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا، فَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا وَمُجَاهِدِينَا وَالمُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَصِيرًا، وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَارْدُدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ سَكِينَتَكَ، وَاجْعَلِ النَّصْرَ حَلِيفَهُمْ، وَالتَّأْيِيدَ رَفِيقَهُمْ، وَاكْتُبْ لَهُمُ الأَجْرَ العَظِيمَ وَالثَّوَابَ الجَزِيلَ. اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَنَا عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى.
اللَّهُمَّ اخْذُلْ عَدُوَّنَا وَعَدُوَّ الدِّينِ، وَاكْفِنَا شَرَّهُمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَرُدَّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَاجْعَلْ دَائِرَةَ السُّوءِ عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَأَضْعِفْ قُوَّتَهُمْ، وَأَبْطِلْ كَيْدَهُمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَكْرِهِمْ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ، وَأَكْلَأْنَا بِرِعَايَتِكَ، وَاحْطِنَا بِعِنَايَتِكَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَامْدُدْ عَلَيْنَا سِتْرَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَصْلِحْ لَنَا النِّيَّةَ وَالذُّرِّيَّةَ وَالْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ. «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا».
اللَّهُمَّ احْفَظِ الأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ وَأَحِطْهُمْ بِعِنَايَتِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمُؤَدِّي الزَّكَاةِ.
اللهم أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الدُّعَاءَ، وَاسْتَجِبْ لَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.