|

19 شعبان 1445 هـ

مسابقة السيرة النبوية | استمع في دقيقة وربع إلى: " الشرك الأصغر" للدكتور/ صالح بن مقبل العصيمي التميمي | يمكنكم الأن إرسال أسئلتكم وسيجيب عليها فضيلة الشيخ الدكتور صالح العصيمي

خُطْبَةُ الشُّكْر.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: 

عِبَادَ اللهِ؛ إِنَّ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ وَأَعْظَمِهَا: عِبَادَةَ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءَ عَلَى الْمُحْسن عزوجل بِذِكْرِ إِحْسَانِهِ، فَالْمُوَحِّدُ حَقًّا: وَالْمُؤْمِنُ صِدْقًا؛ يَشْكُرُ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ، وَآلَائِهِ الْجَزِيلَةِ، فَيُثْنِي عَلَيْهِ. 

وَشُكْرُ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَبِالْقَلْبِ، وَبِالْأَفْعَالِ، وَلَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِشُكْرِهِ، وَوَعَدَنَا بِالزِّيَادَةِ مِنْ وَاسِعِ فَضْلِهِ، فَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ-: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُم لَأَزِيدَنَّكُمْ"، فَالنِّعَمُ إِذَا شُكِرَتْ زَادَتْ، وَكَثُرَتْ، وَإِذَا جُحِدَتْ وَكُفِرَتْ زَالَتْ وَفَنَتْ، قَالَ اللهُ: "وَلَقَدْ ءَاتَينَا لُقْمَٰنَ ٱلحِكْمَةَ أَنِ ٱشكُرْ لِلَّهِ"، وَقَالَ تَعَالَى: "وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ"، وَالشُّكْرُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاجِبٌ، قَالَ تَعَالَى: "وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ"، وَأَمَر اللهُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بِالشُّكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ"، وَذَلِكَ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَجَعَلَه سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَلَقَدْ أَثْنَى اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "شَاكِرًا لِّأَنعُمِهِ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّستَقِيم"، فَكُلُّ نِعَمِ اللهِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الشُّكْرُ، قَالَ تَعَالَى: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِنْ طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقنَٰكُمْ وَٱشكُرُواْ لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعبُدُونَ"، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَهَا لَنَا، وَيَسَّرَ لَنَا أَسْبَابَهَا؛ فَإِنْ كُنْتَ حَقًّا مِمَّنْ يُؤْمِنُونَ بِانْفِرَادِ اللهِ بِالسُّلْطَةِ وَالتَّدْبيِرِ: فَاشْكُرِ اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ.

؛قَالَ تَعَالَى: "وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ"؛ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ، فَرَزَقَنَا هَذِهِ النِّعِمَ؛ فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا دُونَ طَلَبٍ مِنَّا. 

عِبَادَ اللهِ؛  وَلَا بُدَّ لِلشُّكْرِ مِنْ أُمُورٍ:

١-أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُؤْمِنُ بِقَلْبِهِ بِمِنَّةِ اللهِ عَلَيْهِ.

٢-أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: "اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ".

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "الصَّلَاةُ شُكْرٌ، وَالصِّيَامُ شُكْرٌ".

٣- شُكْرٌ بِاللِّسَانِ، بالتَّحُدُّثِ بِالنِّعَمِ، قَالَ تَعَالَى: "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث"، أَيْ: أَخْبِرْ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ؛ اعْتِرَافًا بِفَضْلِهِ، وَالْقُلُوبُ مَجْبُولَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ الُمْحِسنِينَ. 

وَمِنَ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ، وَالتَّحَدُّثُ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ لَا التَّفْصِيلِ، وَمِنَ التَّحَدُّثِ بِهَا: أَنْ تَدْعُوَ إلى اللهِ، وَتُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ، وَلاَ بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَصَدَقَ الْقَائِلُ: 

أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً * يَدِي وَلِسَاني والضَّمِيرِ الْمُحَجَّبَا

عِبَادَ اللهِ؛ إِنَّ غَالِبَ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَا يَشْكُرُونَ، فَفُزْ بأَنْ تَكُونَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ"، وَقَالَ تَعَالَى: "قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ". 

فَتَصَوَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ؛ لَوْ عَدِمْنَا السَّمْع وَالْأَبْصَارَ وَالْعُقُولَ: بِأَنْ كُنَّا صُمًّا عُمْيًا بُكْمًا؛ مَاذَا سَيَكُونُ حَالُنَا؟!

أَفَلَا نَشْكُرُ اللهَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِهَذِهِ النِّعَمِ، فَنَقُومُ بِشُكْرِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، فَنَكُونُ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلَا نَكُونُ مِنَ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللهُ بِقَوْلِهِ: "وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ"؟ أَفَلَا نَشْكُرُ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ. وَمِنْ أعْظَمِ النِّعْمِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالتَّوْحِيدِ: أَنَّهُ لَا يُعَاجِلُ بِالْعُقُوبَةِ، وَيَفْتَحُ بَابَ التَّوْبَة، وَوَسَّعَ وَقْتَ الْإِمْهَالِ، وَلَوْ عَجَّلَ اللهُ لَنَا الْعُقَوبَةَ لَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ من أَحَدٌ، وَلَكِنَّ اللهَ يَسْتُرُ وَيَغْفِرُ.

قَالَ اللهُ: "إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشكُرُونَ". 

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكِ الْقَلِيلِ الَّذِينَ قُلْتَ فِيهِمْ: "وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ". 

الشُّكْرُ للهِ شُكْرًا لَيْسَ يَنْصَرِمُ* شُكْرًا يُوافِقُ مَا يَجْرِي بِهِ الْقَلَمُ

اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ آجَالَنَا.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً . أمَّا بَعْدُ ...... فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. 

عِبَادَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِنَا، وَإِنَّ مَنْفَعَةَ الشُّكْرِ عَلَيْنَا وَحْدَنَا، قَالَ تَعَالَى: "وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ"؛ لِأَنَّ النَّفْعَ عَائِدٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَاكِرٍ لِرَبِّهِ فِي الْحَقِيقَةِ مُحْسِنٌ إِلَى نَفْسِهِ بِالشُّكْرِ، لَاَ أَنَّه مُكَافِئٌ بِهِ لِنِعَمِ الرَّبِّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُكَافِئَ نِعَمَ اللهِ.

فَنِعَمُ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُعَدَّ، فَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ الْأَطْعِمَةِ، وَأَمَرَنَا بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا، وَسَخَّرَ لَنَا مَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا فِي الْجَوِّ وَالْبَحْرِ، وَأَمَرَنَا بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِوَسَائِلِ الْإِدْرَاكِ مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَقُلُوبٍ، وَأَمَرَنَا بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِالذُّرِّيَّةِ، وَأَمَرَنَا بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا، وَأَعَزَّنَا وَنَصَرَنَا وَأَمَرَنَا بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا.

عِبَادَ اللهِ؛ إِنَّ شُكْرَ اللهِ مَنْهَجُ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَأَثْنَى اللهُ عَلَى نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَوَّلِ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : "ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا"، وَأَثْنَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ٱجتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّستَقِيم"، وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا رَواهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: "رَبِّي اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا".

عِبَادَ اللهِ؛ إِنَّ مِنْ ثَمَرَاتِ عِبَادَةِ الشُّكْرِ غَيْرَ اسْتِقْرَارِه وَزِيَادَتِهِ؛ أنَّ اللهُ سَيَجْزِيهِمْ بِقَوْلِهِ: "وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ"، وَمَا أَعْذَبَ هَذِهِ الْآيَةَ، قَالَ تَعَالَى: "وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا".

وَمِنْ ثِمَارِ الشُّكْرِ: حِفْظُ النِّعَمِ مِنْ الزَّوَالِ، وَالنَّجَاةُ مِنَ الْهَلَاكِ، قَاَل تَعَالَى: "إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ* نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ"، وَقَالَ تَعَالَى: "مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ".

لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا نَسْتَلِذُّ بِهِ ذِكرًا* وَإِنْ كُنْتُ لَا أُحْصِي ثَنَاءً وَلَا شُكْرًا

لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا* يَمْلأ السَّمَا وَأَقْطَارَهَا وَالْأَرْضَ وَالْبَرَّ وَالْبَحْرَا.